أسعد السحمراني
150
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
إن الانحراط في جماعة مسألة في غاية الأهمية لأنها ترتبط برسالة الإنسان المستخلف في الأرض التي لا يجوز الهروب من أدائها ، وإذا كان الزهد أمرا ضروريا إلّا أنه يكون باجتناب المحرمات والرذائل ، والزهد يكون بتسخير العمل الدنيوي لنيل الثواب في الآخرة ، ولكنه غير مقبول أن يتستر إنسان بالزهد فيهرب من المواجهة ويترك المنكر وأهله دون أن يواجههم . ومن واجب الإنسان أن ينطلق من منحى تفاؤلي لكي يجد الخير ، حيث لا كبير صعوبات في تعديل أخلاق الشعوب ، وإصلاح الفاسد من أمرها . أما الهروب والاستسلام للأمر الواقع وتفضيل السلامة الشخصية فهو أنانية تتنافى مع أبسط القيم الخلقية . إن كل خلق ومعتقد يمكن تغييره بالدعوة إلى بديل عنه ، وبالتربية والعقل ، والتثقيف الدائم ، وإذا كان التغيير أمرا غير ممكن ، لماذا إذن أرسل اللّه تعالى الرسل والأنبياء صلوات اللّه عليهم لهداية البشر ؟ ولماذا أمر سبحانه الخاصة والدعاة بمقاومة المنكر والسعي لنقل الناس من الضلال إلى الهداية ؟ . ولكن التغيير لا يتناول ما هو بالخلقة ( بكسر الخاء ) فذلك سنّة اللّه في خلقه ، ولا يهدف التغيير إلى جعل قوانين الطبيعة على غير ما هي عليه ، وإنما يتناول التغيير الجانب الإرادي في الإنسان ، وإمكان التغيير « بيّن من العيان ومما أسند للنابه من وجوب التأديب ونفعه وتأثيره في الأحداث والصبيان ومن الشرائع الصادقة التي هي سياسة اللّه عزّ وجل لخلقه . ولا شيء مما يمكن تغييره هو بالطبع . . . فإن أحدا لا يروم أن تغيّر حركة النار التي هي إلى فوق بأن يعوّدها إلى أسفل » « 1 » . يركز مسكويه على التربية والإعداد للناشئة ، من أجل إقامة مجتمع تسوده الفضيلة ، وإذا كان الإنسان قابلا للتّأثّر والتّأثير في مختلف مراحل عمره ، يكون التوجيه لازما لكل الأعمار والمستويات إلّا أن الإعداد المثمر أكثر من غيره هو ذلك الإعداد الذي نتوجّه به إلى حديثي السن فهم أطرى عودا ،
--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 34 .